الولوج إلى العدالة الدستورية: الرهانات الجديدة للرقابة البعدية على دستورية القوانين

تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس 

تنظم المحكمة الدستورية بشراكة مع أكاديمية المملكة المغربية ندوة دولية تحت عنوان : 

"الولوج إلى العدالة الدستورية : الرهانات الجديدة للرقابة البعدية على دستورية القوانين"

27-28 سبتمبر 2018 

 

ورقة تقديمية

 

عرفت الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين تطورا لافتا. ذلك أن تحليل النصوص الدستورية على المستوى العالمي مكن من معاينة أن 58 دولة أقرت نظاما للسؤال الأولي للدستورية، بصيغ مختلفة. أما آلية الدفع بعدم الدستورية فقد تم إقرارها في 42 دولة. كما أن تجارب وطنية أخرى اعتمدت أشكالا مفتوحة من المراقبة المباشرة والمجردة لدستورية القوانين كآليتي  دعوى الصالح العام  actio popularis وشبه دعوى الصالح العام  quasi actio popularis المعتمدتان على التوالي في 22 و15 دولة. وضمن نفس المنطق، أقرت 10 دول آليات طعن ملموسة (بواسطة دعاوى أصلية) ضد قرارات معيارية. كما أن بعض التجارب الوطنية أحدثت آليات طعن ضد قرارات فردية يحتمل اتسامها بعدم الدستورية. وتندرج ضمن هذا الخيار مساطر دعوى الحماية  amparo، و دعوى المراجعة والطعن الدستوري الكامل، وهي مساطر تم إقرارها في 17 و22 و13 بلد على التوالي. وتنضاف إلى هذا الإحصاء ،المبني على تحليل الدساتير المكتوبة، التجارب التي أقرت أنظمة للرقابة الدستورية انطلاقا من الاجتهاد القضائي، كما هو الشأن بالنسبة لتجربة الولايات المتحدة الأمريكية.      

وسواء كانت مركزة أو منبثة، مباشرة أو غير مباشرة، مجردة أو ملموسة، عن طريق الدعوى أو عن طريق الدفع، فإن هندسة طرق الطعن الدستوري تغتني بشكل مستمر عبر التبادل، التكيف، والثثاقف الدستوري في نفس الوقت الذي تبقى فيه محددة بالخصوصيات الوطنية. 

وبغض النظر عن تنوع النماذج الوطنية ، فإن إرساء آليات للرقابة البعدية على دستورية القوانين يعبر عن التزام راسخ بتوطيد دولة القانون. 

في هذا الإطار تندرج مختلف الاليات المشار إليها، التي صممت لتمكين المتقاضين من المساهمة في إنتاج " المعيارية الدستورية"، وفي هذا الصدد يمكن تحديد عدد من التحديات: 

1. الإحالة و القواعد المرجعية 

إن آليات الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين، تثير أسئلة تتعلق بالتمفصل على عدد من المستويات: القواعد المرجعية المطبقة (الدستور، المعاهدات الدولية)، القواعد المرجعية المطبقة (دستور، معاهدات دولية)، تمفصل اختصاص المحاكم الدستورية مع المحاكم العادية والاليات الجهوية لحماية حقوق الإنسان. إن هذه الأسئلة العملية تهم كل الأنساق سواء كانت أحادية أو ثنائية، و تهم كل المحاكم الدستورية كيفما كان الوضع الذي اعتمدته ، وضع الحد الذاتي (self -restraint) أو وضع النشاط القضائي  (judicial activism).  

2. آليات الدعم ورقمنة المساطر : روافع للولوج إلى العدالة الدستورية

إن عددا من التجارب الوطنية اعتمدت منظومة متكاملة للمساعدة القانونية تتجاوز منطق "المساعدة القضائية". إن "تغيير البراديجم" هذا قد تم تسهيله جزئيا، بفضل التكريس المتزايد، لحقوق جوهرية للمتقاضين في الدساتير الوطنية وبفضل تطور المرجعية الدولية (المعيارية و التصريحية) المتعلقة بالولوج إلى العدالة. 

وعلى المنظومات الوطنية الجديدة للمساعدة القانونية أن تجيب على رهان أساسي، وهو المتعلق بتسهيل الولوج إلى العدالة الدستورية للمجموعات الأكثر هشاشة، ويبقى دور مهنيي العدالة أساسيا في هذا الصدد .   

لقد غدت رقمنة المساطر حلا معتمدا بشكل متزايد من طرف المحاكم الدستورية في ممارساتها الوطنية. إن إحدى التحديات المشتركة التي تواجهها هذه المحاكم تتمثل في تدبير الانتقال من المادي إلى الرقمي، في علاقة بشكل خاص بصلاحية أعمال المسطرة وتطبيق مبادئ المحاكمة العادلة والهوة الرقمية.   

3. المساطر : أية تصاميم من أجل ولوج افضل إلى العدالة الدستورية؟

بصرف النظر عن تنوعها، فإن التجارب الوطنية تواجه تحديات مشتركة: كيف يمكن تصميم مسارات مسطرية سهلة الولوج بالنسبة للمتقاضين، ضامنة لتمفصل فعال بين المحاكم الدستورية و العادية؟ كيف يمكن تحقيق استجابة هذه المساطر للمتطلبات الوطنية والدولية المتعارف عليها في مجال النجاعة القضائية؟ وما هي الدروس المستخلصة من إعمال الحلول المسطرية المعتمدة من طرف كل تجربة وطنية؟   

4. آثار القرارات المتخذة و الأمن القانوني

إن الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين، تتضمن، بالنظر لطبيعتها، سلسلة من المحددات يتعين أخذها بعين الاعتبار. ويندرج ضمن هذا الإطار مدى آثار القرارات المتخذة، تنويع هذه الآثار في الزمن. إن الأجوبة المقدمة عن هذه الأسئلة من قبل مختلف التجارب الوطنية، لها أثر حاسم على الأمن القانوني.       

5.مساهمة المنازعات الانتخابية في حماية الحقوق السياسية

تساهم المنازعات الانتخابية، التي تندرج ضمن اختصاصات عدد من المحاكم الدستورية، في حماية الحقوق السياسية، خاصة بمناسبة تفسير الأحكام الدستورية المتعلقة بالانتخابات، و تساهم هذه الوظيفة، التي تتجاوز مجرد تطبيق القانون الانتخابي، في توطيد ضمانات نظامية و نزاهة الانتخابات  

تلك هي التحديات والأسئلة العملية التي تقترح المحكمة الدستورية مناقشتها مع المحاكم الدستورية الشريكة، بتنظيمها، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ندوة دولية في موضوع " الولوج إلى العدالة الدستورية : الرهانات الجديدة للرقابة البعدية على دستورية القوانين".  

وبتوجهها الدولي،  فإن الندوة  تعتبر لحظة للتفكير بشأن الرهانات العملية المتعلقة بالرقابة اللاحقة على دستورية القوانين بوصفها آلية لحماية الحقوق الأساسية.  

وبتنظيمها لهذه الندوة بمناسبة الذكرى الأولى لتنصيبها ، فإن المحكمة الدستورية تعتزم ترسيم تقليد مستدام يتمثل في جعل هذه المناسبة موعدا منتظما للتفكير و تبادل النظر في الرهانات الكبرى للعدالة الدستورية.