تقديم المحكمة الدستورية

لمحة تاريخية

يعود تاريخ القضاء الدستوري بالمملكة المغربية إلى أولى سنوات الاستقلال عندما نص دستور 1962 على تأسيس غرفة دستورية بالمجلس الأعلى باعتباره أعلى هيئة في التنظيم القضائي.      

في سنة 1992، سيعرف هذا القضاء استقلالا أكبر بموجب المراجعة الدستورية التي نصت على إحداث مجلس دستوري باعتباره مؤسسة مستقلة ذات صلاحيات أوسع، تتماشى مع المخطط الإصلاحي الذي وضعته المملكة مع بداية التسعينات الهادف إلى تعزيز دولة القانون، وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا .

وقد أصدر المجلس الدستوري، خلال عشرين سنة من وجوده (1994-2016) ما يناهز 1019 قرارا، الأمر الذي يدل على استمرارية عمل هذه المؤسسة، وعلى ثقة المؤسسات والهيئات السياسية والأفراد في قضائها.

وفي نطاق الإصلاحات الدستورية الواسعة والعميقة، التي أقرتها المملكة بموجب الدستور الصادر في 29 يوليو 2011، المتمثلة بالخصوص في توسيع الحقوق والحريات العامة وترسيخ المؤسسات والآليات الكفيلة بمواصلة بناء دولة ديمقراطية حديثة، تم إحداث محكمة دستورية - تحل محل المجلس الدستوري- تتمتع بصلاحيات أوسع وتكون، بالخصوص، مفتوحة للأشخاص للدفاع عن الحقوق والحريات المضمونة لهم دستوريا.

تأليف المحكمة الدستورية ووضعية أعضائها

تتألف المحكمة الدستورية من اثني عشر عضوا، يعين جلالة الملك نصف أعضائها من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وينتخب الستة الباقون من طرف البرلمان مناصفة بين مجلسي النواب والمستشارين بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس، ويعين جلالة الملك رئيس المحكمة من بين أعضائها.

مدة العضوية بالمحكمة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، مع تجديد ثلث كل فئة من أعضائها عند متم كل ثلاث سنوات.

 يختار أعضاء المحكمة من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين حقوقي عال وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة.

 بالإضافة إلى حالات التنافي المتعارف عليها، لا يجوز الجمع بين العضوية في المحكمة وممارسة أي مهنة حرة.

أعضاء المحكمة ملزمون بواجب التحفظ، والامتناع عن ممارسة أي نشاط يتنافى مع صفتهم، وهم مطالبون بالتصريح بممتلكاتهم.

مجالات الاختصاص

- مراقبة الدستورية :

وهي أهم اختصاص تمارسه المحكمة الدستورية، ويتعلق الأمر هنا بالتأكد من مطابقة النصوص التشريعية والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان وبعض المؤسسات الدستورية وكذا الالتزامات الدولية للدستور، وهذه المراقبة قد تكون قبلية أو لاحقة.

 1- المراقبة القبلية : 

 تكون هذه المراقبة إلزامية فيما يخص :

-القوانين التنظيمية، التي تحال إلى المحكمة الدستورية بعد مصادقة البرلمان عليها وقبل إصدار الأمر بتنفيذها.

-الأنظمة الداخلية لبعض المؤسسات الدستورية، إذ تحال الأنظمة الداخلية، لكل من مجلس النواب، ومجلس المستشارين، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجالس المنظمة بقانون تنظيمي، إلى المحكمة الدستورية قبل الشروع في تطبيقها.

وتكون هذه المراقبة اختيارية فيما يخص :

- القوانين، و يمكن أن تحال من لدن جلالة الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء المجلس الأول، أو أربعين عضوا من أعضاء المجلس الثاني قبل دخولها حيز التنفيذ.

- الالتزامات الدولية، تختص المحكمة الدستورية بالبت في مطابقتها الالتزامات الدولية للدستور، وإذا صرحت بأن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف هذا الأخير، فإنه لا يمكن المصادقة عليه.

2 - المراقبة اللاحقة :

وتشمل :

- نظر المحكمة في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون إذا ما أثير أثناء النظر في دعوى قائمة أمام القضاء ودفع أحد الأطرف بأن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور.

- البت في كل ملتمس حكومي يرمي إلى تغيير النصوص التشريعية من حيث الشكل بمرسوم إذا كان مضمونها يدخل في مجال من المجالات التي تمارس فيها السلطة التنظيمية اختصاصها.

-  مراقبة صحة إجراءات مراجعة الدستور وإعلان نتيجتها :

تراقب المحكمة الدستورية صحة إجراءات هذه المراجعة، وتعلن نتيجتها.

 - مراقبة صحة الانتخابات البرلمانية وعمليات الاستفتاء:

تبت المحكمة الدستورية في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان.

ولها أن تقضي المحكمة إما بعدم قبول عرائض الطعن أو برفضها، وإما ببطلان الانتخابات جزئيا أو كليا مع إمكان تصحيح نتائجها. 

كما تتولى المحكمة مراقبة صحة الإحصاء العام للأصوات المدلى بها في الاستفتاء وتعلن بقرار عن نتائجه النهائية

-  البت في الخلاف بين البرلمان والحكومة:

- تبت المحكمة في الخلاف الذي يحدث بين البرلمان والحكومة بطلب من أحد رئيسي مجلسي البرلمان  أو من رئيس الحكومة ،إذا دفعت الحكومة بعدم قبول كل مقترح أو تعديل ترى أنه لا يدخل في مجال القانون.

-كما يحق لها أن تبت في الخلاف الذي قد يقع بشأن تطبيق أحكام القانون التنظيمي المتعلق بطريقة تسيير اللجان النيابية لتقصي الحقائق، خاصة إذا كان ذلك الخلاف يحول دون السير العادي لأعمال إحدى اللجان.

المهام الاستشارية لرئيس المحكمة الدستورية

يستشير جلال الملك رئيس المحكمة الدستورية في حالة اعتزام جلالته إعلان حالة الاستثناء ، أو حل مجلسي البرلمان أو أحدهما، أو عرض مشروع مراجعة بعض أحكام الدستور على البرلمان.

كما يستشار رئيس المحكمة الدستورية من طرف رئيس الحكومة إذا ما اعتزم هذا الأخير حل مجلس النواب بمرسوم.

الاجراءات المسطرية

تتميز المسطرة أمام المحكمة بكونها كتابية ؛ وجلساتها غير علنية، ما لم ينص قانون تنظيمي على خلاف ذلك. ويجوز لها الاستماع إلى المعنيين بالأمر بحضور دفاعهم أو أي شخص من ذوي الخبرة. ولها أن تأمر بإجراء تحقيق بشأن ما يعرض عليها من منازعات في الطعون الانتخابية، مع تكليف عضو أو أكثر من أعضائها للانتقال إلى عين المكان إذا ما اقتضت ضرورة التحقيق ذلك.

تبت المحكمة في الإحالات المتعلقة بمطابقة القوانين التنظيمية والقوانين والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي داخل أجل شهر من تاريخ الإحالة، وفي غضون 8 أيام في حالة الاستعجال بطلب من الحكومة. 

تكون مداولات المحكمة صحيحة إذا حضرها تسعة من أعضائها على الأقل، كما تتخذ قراراتها بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين تتألف منهم.

يتم البت في حالات الدفع بعدم القبول التشريعي في أجل 8 أيام

تبت المحكمة في جميع الطعون المتعلقة بالانتخابات التشريعية داخل أجل سنة، يمكن تجاوزها بموجب قرار معلل.

قــــرارات المحكمــة الدستوريـــة

تصدر قرارات المحكمة الدستورية باسم جلالة الملك وطبقا للقانون، وتتضمن في ديباجتها بيان النصوص التي تستند عليها، كما تكون معللة وموقعة من قبل الأعضاء الحاضرين بالجلسة التي صدرت خلالها.

قرارات المحكمة لا تقبل أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية، كما أنها تنشر بالجريدة الرسمية للمملكة.

يحول نشر قرار المحكمة القاضي بعدم مطابقة مادة من قانون تنظيمي أو قانون أو نظام داخلي أو بندا من التزام دولي للدستور دون إصدار الأمر بتنفيذ هذه القوانين أو تطبيق هذه الأنظمة، ودون المصادقة على هذا الالتزام الدولي إلا بعد مراجعة الدستور.